النويري

91

نهاية الأرب في فنون الأدب

فلما نزلوا في ظل شجرة قريبا منه ، نظر إلى الغمامة وقد أظلَّت الشجرة ، وتهصّرت « 1 » أغصانها على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى استظلّ تحتها « 2 » ، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته ، وقد أمر بذلك الطعام فصنع ، ثم أرسل إلى القوم فقال : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، فأنا أحبّ « 3 » أن تحضروا كلَّكم ؛ صغيركم وكبيركم ، وعبدكم وحرّكم ؛ فقال له رجل منهم : يا بحيرا إنّ لك لشأنا اليوم : قال له بحيرا : صدقت ، قد كان ما تقول فاجتمعوا إليه ، وتخلَّف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنّه في رحال القوم تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصّفة التي يعرف ، فقال : يا معشر قريش لا يتخلَّف منكم أحد عن طعامي ، قالوا : ما تخلَّف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام ، وهو أحدث القوم سنّا تخلف في رحالهم ، قال : لا تفعلوا ادعوه فليحضر ، فقال رجل من قريش : واللَّات والعزّى إن كان للؤما بنا أن يتخلَّف ابن عبد اللَّه بن عبد المطلب عن طعام من بيننا ، ثم قام « 4 » فاحتضنه وأجلسه مع القوم ، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرّقوا قام إليه بحيرا فقال له : يا غلام ، أسألك بحق اللَّات والعزّى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال : لا تسألني بهما ! فو اللَّه ما أبغضت شيئا قط بغضهما ، فقال له : فباللَّه إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ! فقال : سلني

--> « 1 » تهصرت : تهدلت عليه . « 2 » في السيرة الحلبية 1 : 118 : « وكان صلى اللَّه عليه وسلم وجدهم قد سبقوه إلى فىء الشجرة ، فلما جلس مال فىء الشجرة عليه » . « 3 » في السيرة الحلبية 1 : 118 : « قريش ، وأحب أن تحضروا » . « 4 » في السيرة الحلبية 1 : 119 : « ثم قام إليه فاحتضنه » ، وفى شرح المواهب 1 : 194 : « فقال رجل من قريش ثم قام الحارث بن عبد المطلب فأتى به » .